رئيس التحرير
خالد مهران

سر تحول المصريين من «الجدعنة» إلى الاكتفاء بتصوير المصائب والجرائم

سر تحول المصريين
سر تحول المصريين من «الجدعنة» إلى الاكتفاء بتصوير المصائب

استشارى نفسى: فقدان المجتمع الصغير أدى لندرة الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين

الدكتور إيهاب الخراط: المجتمع المصري بات فى منطقة رمادية.. ومنذ السبعينيات يتم الترويج للقيم الفردية

طبيب نفسى: الشخصية المصرية تحولت إلى استهلاكية.. يتنافسون على الـ«لايكات» بدلًا من التضامن مع المعتدى عليه

أستاذ طب نفسى: استغلال ثورتي 25 يناير و30 يونيو من بعض الرجعيات الدينية والانتهازيين غيَّب الشعور بالانتماء للمجتمع الذي خلقته الثورة

أستاذ علم اجتماع: الإنسان كائن مُقلد ومع تراجع القدوات الحسنة تشوهت الشخصية المصرية

الدكتورة سامية خضر: انسلاخ المجتمع من الهوية أدى لانهيار العادات والتقاليد

 

«المصري يعني الشهامة والجدعنة».. كلمات لطالما عبر بها الكثيرون عن الشخصية المصرية وطبائعها، المُبادرة بالمُساعدة في وقت الأزمات، وذلك حتى وقتٍ ليس ببعيد إلا أنه مؤخرًا لاحظ البعض انحسارها، وحل محلها الاكتفاء بالمُشاهدة والتصوير و«تكبير الدماغ»، مثلما حدث في أشهر حادثتين في الثلث الأخير من يناير الماضي، وهما حادثتي «الذبح بالأقصر» و«خناقة طالبات مدرسة دولية»، خصوصًا وأنه لم يُبادر أحد من حاضريهما بالمساعدة، واكتفوا فقط بالتصوير.

ردود الفعل السلبية تجاه حادثتي «الذبح بالأقصر» و«خناقة المدرسة الدولية»، لفتت انتباه الكثيرين إلى أن هناك تحولا خطيرا في الشخصية المصرية، مُعتبرين أن ما حدث يُشير إلى انحسار للصفات التي لطالما تفوق بها المصريون على شعوبٍ كُثّر، ما يُثير تساؤلات حول الأسباب الاجتماعية والنفسية لتحول الشخصية المصرية؟.

جريمة بشعة وتخاذل

21 يناير الماضي، مساء الثلاثاء، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بعد تداول مقطع فيديو يوثق لحظات وقوع جريمة بَشعة بمدينة الأقصر بالصعيد، وأشهر الفيديو شابًا ثلاثينيًا يذبح مُسنًا في أواخر الخمسينيات من عمره بمنطفة أبو الجود وسط الأقصر، ومَثًّل بجثة القتيل، بفصل رأسه عن جسده وتجول بها وارتشف دمه ودوَّن بدمائه على الحوائط، أمام المارة دون محاولة أي منهم التدخل لإنقاذ المجني عليه، واكتفوا بتصوير الجريمة.

الجريمة التي وصفها الجميع بـ«البشعة»، لم تُثر وحدها مخاوف الكثيرين، إلا أن سلبية المارة للتعامل مع ما حدث، أثارت رعبهم أيضًا، مُستنكرين ما وصفوه بالسلبية في التعامل مع ما حدث، زاعمين أنه كان من الممكن إنقاذ القتيل بدلًا من الاكتفاء بالتصوير، في حين إن آخرين رفضوا توجيه اللوم إلى الحضور، بدعوى أن الجميع كان يبدو على ملامحهم الذهول، وأن الصدمة حالت بينهم وبين التدخل، وذهب البعض -أيضًا- إلى أنه من الطبيعي أن يخشى الناس على أرواحهم ما منعهم من التدخل، لأن القاتل يبدو في حالة غير طبيعية.

تحقيقات النياية كشفت، عن أن الجاني يُعاني من اضطراب نفسي ويدعى «سفيان.ر» ويبلغ من العمر 38 عامًا، وأن المجني عليه «حجاج.ك» 58 عاما، تصادف مروره بالمنطقة.

عقوبة رسمية للسلبية

وفي 18 يناير الماضي، وقُبيل أيام من جريمة الأقصر البشعة، فوجئ المصريون بجريمة لا تقل بشاعة عن لاحقتها عُرفت بـ«خناقة مدرسة التجمع»، وتشعبت أطرافها بين المعتدين وإدارة المدرسة وسلبية الحاضرين، عبر تداول مقطع فيديو يُظهر تعدي طالبة بالمرحلة الثانوية بمساعدة 2 آخرين على زميلتهم، مُرددة ألفاظًا بذيئة داخل إحدى المدارس الدولية الشهيرة.

وشارك مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي الفيديو على نطاق واسع، مُستنكرين أسلوب الطالبة «بنت الأكابر» -حسب وصفهم- والتي لم تترك لفظًا بذئيًا إلى وجهته إلى زميلتها المُعتدى عليها، وسط حالة من تخاذل زميلاتها وزملائها عن التدخل للدفاع عن زميلتهم الضحية، والتي لم تُبدِ دفاع عن نفسها، وظهرت مُستسلمة لاعتداء زميلاتها، وسط تجاهل أمن المدرسة والقائمين على إدارتها  لما يحدث، ولم يُظهر الفيديو تدخل أيًا منهم لحجب الأذى عن الطالبة المُعتدى عليها.

بدأت المُشاجرة بين الطالبة «كارما» بمُشادة كلامية، بينها وبين إحدى الطالبات أثناء توجه الطلاب إلى الحافلات في نهاية اليوم الدراسي، والتي اقتربت منها، قائلة: "امشي يابنت متتلكعيش"، فردت عليها: "الشنطة كبيرة، أنا بـ أمشي كدا مش بتلكع"، وسرعان ما تحولت تلك المُشادة إلى اعتداء شرس من الطالبة بمُشاركة شقيقتها الكُبرى وزميلتها المُقيدين بالمرحلة الثانوية، وانهلن عليها باللكمات والركلات وسط تجمع زملائهن وزميلاتهن، دون تدخل أحد لمنع المعتديات عليها أو الدفاع عنها، واكتفوا بتصوير الواقعة وحسب.

أثارت الحادثة غضب المصريين، الذين اتهموا المدرسة بالتقصير، لاسيَّما مع تخاذل المدرسة عن فض المُشاجرة حتى وصلت إلى هذا الحد، كما أثارت سلبية الطلاب المتفرجين والمصورين للواقعة غضب آخرين، مُستنكرين عدم إقبال أحدهم على مساعدة زميلتهم! مُتسائلين لماذا تحول المصريين إلى هذا الحد من السلبية؟ على الرغم من أن فريقا آخر رفض توجيه اللوم إلى الطلاب، باعتبار أن هذا ليس دورهم وإنما دور المدرسة وإدارتها وأفراد أمنها.

وأصدر وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف، مجموعة من القرارات لمعاقبة كُل مُدان في الواقعة، بدءًا من المدرسة ومرورًا بالطالبات المُعتديات، وانتهاءً بالطلاب الذين اكتفوا بتصوير الواقعة، مُقررًا فصلهم لمدة أسبوعين من المدرسة، بدعوى تعاملهم السلبي وعدم تدخلهم للمساعدة واكتفائهم بالتصوير، ورغم ذلك لم يلق قرار الوزير الأخير ذلك، استحسان قطاع كبير من المصريين لاسيَّما أولياء الأمور الذين اعتبروه ظالم، وأصدره إرضاءً للسوشيال ميديا.

ومازال الجميع يتساءل عن سر تحول الشخصية المصرية لهذه الدرجة، وأين انحسرت «شهامة وجدعنة» المصريين؟.

مجتمع رمادي

من جانبه، يرى الدكتور إيهاب الخراط، استشاري الطب النفسي وعلاج إعادة التأهيل، أن مصر فقدت مجتمع ما قبل الحداثة «المجتمع الصغير» مثل القرية والحارة، والذي يعتمد على انتماء أفراده إليه، وبات الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع والواجب إنساني تجاه الآخرين متضائل جدًا، ما أدى إلى انحسار صفات «الجدعنة» والشهامة التي لطالما تمتع بها المصريون؟.

وأضاف، أن الموقف الحداثي المتمثل في غياب المجتمع الصغير، يجعل أفراد المجتمع المصري يعزفون على المشاركة، مُتسائلين من المفترض أن يتدخل أمنيًا لمنع ذلك العدوان أو تلك المصيبة أو تلك الكارثة، وتأتي الإجابة «ما ليش دعوة».

وأكد الدكتور إيهاب الخراط، في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن الطامة الكُبرى أن فقد هذا المجتمع الصغير، لم يُعوَّض بالمجتمع الذي ينظم التدخل بشكل قانوني وديمقراطي من خلال وسائل المُشاركة الجماعية في أي عمل، وعليه فإن وجود مصر في هذه المنطقة الوسطى «الرمادية» يُفسر لماذا الناس أصبحت تكتفي بالمشاهدة والتصوير فقط.

وأشار استشاري الطب النفسي، إلى أنه منذ السبعينيات يتم الترويج للقيم الفردية التي ترُسخ للشخصية الفردية الساعية إلى الاستهلاك والمنافسة الفردية بشكل أكبر، سواء بالنسبة للاستهلاكات المادية أو الحسنات الأخراوية، وتم تصدير أن هذا هو دور الفرد في المجتمع، وعلى مدار سنوات طوال تطورت تمكنت القيم الفردية من الشخصية المصرية، وآلت إلى ما هي عليه الآن فأصبح الجميع يتنافس على مشاركة الصور والفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، للحصول على لايكات أكثر أو إثارة إعجاب الآخرين بدلًا من التضامن مع الشخص المُعتدى عليه.

عودة للعمل الاجتماعي

وتابع: «الانسحاب من العمل العام والشعور باليأس من العمل الاجتماعي والجماعي، سبب آخر للتحول السلبي الذي سيطر على الشخصية المصرية، ما أدى قناعة أفراد المجتمع إلى أنه لا يوجد ما يستدعي المشاركة الاجتماعية، وبات كل شخص يجمع قدر ما يستطيع من الاستهلاكات الفردية مادية من ملابس ومأكولات وغيرها، أو روحية أُخروية كأن يجمع حسنات فردية فقط».

ويرى أن ثورة 25 يناير وما تلاها من أيام، خير دليل على أن العمل الجماعي والاجتماعي يخلق إحساس تضامني لدى أفراد المُجتمع، بدليل إقبال الثوار على على تنظيف الميدان والشورارع ومشاركة الطعام معًا، لمجرد شعورهم بأن هناك هدف مشترك يسعون إليه وأن خطر ما سيحدق بالجميع، إلا أنه على مدار 14 عام حدث تحوُل أكثر بشاعة إلى القيم الفردية.

ويُرجع الدكتور إيهاب الخراط، سبب التحول الذي أعقب الثورة، إلى استغلال الموجتين الثوريتين في إشارة منه إلى ثورتي يناير و30 يوينو، من الرجعية الدينية أو من انتهازيين آخرين، ما أدى إلى شعور الناس باليأس، بخلاف العودة إلى إدانة كل من يسعى إلى المُشاركة في عمل جماعي، باعتبار أن السياسيين والحقوقيين، إما انتهازيين أو مُتسلين ومُرتزقة، ما أدى للعزوف عن المُشاركة.

وأكد «الخراط»، أن حل الأزمة يحتاج إلى تشجيع العمل الجماعي والمُجتمعي وترسيخ أفكار مُشاركة وضع القوانين التي تُنظم حياتها والسياسات التي تؤثر في حياتها، وترسيخ أن هناك أهدافًا عامة، وتوقف الإعلام عن مُهاجمة الأشخاص الذين يقومون بنشاط حقوقي أو سياسي أو أي نوع من النشاط الجماعي.

فقدان الهوية المصرية

التحول في الشخصية المصرية بالصورة السلبية تلك، مرتبط بالأجواء التي تُحيط بالمُجتمع المصري، في ظل غياب القدوة، حسبما تعتقد أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر.

وتُضيف، أن الإنسان كائن مُقلد بطبعه، ومع غياب القدوة الحَسنة سواء بين الآباء والأمهات، في ظل تراجع دور الإعلام والأعمال الفنية في تقديم القُدوات الإيجابية من كُتَّاب ومُفكرين وعلماء، والبرامج التي تُرسخ قيم مُجتمعية إيجابية، أدى إلى تشوه الشخصية المصرية التي تُقلد ما حولها.

انسلاخ المُجتمع المصري من هويته، وهي أحد أعمدته، وبالتالي انهارت العادات والتقاليد، التي تُعلي من قيم الكرامة الشهامة المروءة، وبالتالي انهار عمود الأسرة عبر انعدام الترابط الأسري، وبات كل فرد من أفراد الأسرة مشغول بحاله دون التفكير في الآخر، وفقًا للدكتورة سامية خضر.

وتختتم أستاذ علم الاجتماع، حديثها في هذا الشأن، موضحة أن الحل يكمُن في ترسيخ الدولة من خلال الإعلام للهوية المصرية والعادات والتقاليد والوحدة الوطنية لإحياء الانتماء للمجتمع، مع تسليط الضوء على الإيجابيات في المجتمع لتقوية روح الانتماء، وتسليط الضوء على العلماء والمُفكرين، بخلاف استعادة الأسرة دورها الفاعل في التربية والتقويم.